صديق الحسيني القنوجي البخاري
242
فتح البيان في مقاصد القرآن
قيل للبعير زاملة بالهاء للمبالغة لأنه يحمل متاع المسافر ، قرأ الجمهور بالادغام ، وقرأ أبيّ ( المتزمل ) على الأصل وقرأ عكرمة بتخفيف الزاي ، وهذا الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد اختلف في معناه فقال جماعة إنه كان يتزمل صلى اللّه عليه وسلم بثيابه في أول ما جاءه ، جبريل بالوحي فرقا منه حتى أنس به ، وقيل المعنى يا أيها المزمل بالنبوة والملتزم للرسالة ، وبهذا قال عكرمة وكان يقرأ يا أيها المزمل بتخفيف الزاي وفتح الميم المشددة اسم مفعول ، وعنه أيضا يا أيها الذي زمل هذا الأمر أي حمله ثم فتر ، وقيل المعنى يا أيها المزمل بالقرآن وقال الضحاك تزمل بثيابه لمنامه ونحوه عن قتادة ، وقيل بلغه من المشركين سوء قول فتزمل في ثيابه وتدثر ، فنزلت يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ و يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . وقد ثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما سمع صوت الملك ونظر إليه أخذته الرعدة فأتى أهله وقال زملوني دثروني « 1 » ، وكان خطابه صلى اللّه عليه وسلم بهذا الخطاب في أول نزول الوحي ، ثم بعد ذلك خوطب بالنبوة والرسالة ، وقال ابن عباس زملت هذا الأمر فقم به ، وعنه قال يتزمل بالثياب ، قال السهيلي ليس المزمل من أسماء النبي صلى اللّه عليه وسلم كما ذهب إليه بعض الناس وعدوه في أسمائه صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما المزمل اسم مشتق من حاله التي كان عليها حين الخطاب ، وكذلك المدثر . وفي خطابه صلى اللّه عليه وسلم بهذا الاسم فائدتان ( إحداهما ) الملاطفة فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها « كقول النبي صلى اللّه عليه وسلم لعلي حين غاضب فاطمة رضي اللّه عنها فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له : « قم أبا تراب » « 2 » ، إشعارا له بأنه غير عاتب عليه وملاطف له . وكذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم لحذيفة : « قم يا نومان وكان نائما » « 3 » ملاطفة له وإشعارا بترك العتب ، فقول اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ فيه تأنيس له وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه . والفائدة الثانية : التنبيه لكل متزمل راقد ليله أن يتنبه إلى قيام الليل وذكر اللّه تعالى ، لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة ، ذكره الخطيب . قُمِ اللَّيْلَ أي قم للصلاة في الليل الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر ، وقيل إن معنى قم صل عبّر به عنه واستعير له ، واختلف هل كان هذا القيام الذي أمره
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 74 ، باب 4 ، 5 ، والترمذي في تفسير سورة 74 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 3 / 325 ، 377 . ( 2 ) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 38 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الجهاد حديث 99 .